السيد عبد الله شبر

178

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

للذمّة المخرجة عن عُهدة التكليف ، والمقبولة هي ما يترتّب عليها الثواب ، ولا تلازم بينهما ولا اتّحاد كما يظنّ ، وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ « 1 » مع أنّ عبادة غير التقي مجزية إجماعاً ، وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا « 2 » مع أنّهما لا يفعلان غير المجزي ، وقوله تعالى : فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ « 3 » مع أنّ كلّاً منهما فعل ما امر به من القربان ، وقوله صلى الله عليه وآله : « إنّ من الصلاة ما يتقبّل نصفها وثلثها وربعها ، وإنّ منها لما تلفّ كما يلفّ الثوب الخَلِق فيضرب بها وجه صاحبها » ، والتقريب ظاهر ؛ ولأنّ الناس لم يزالوا في سائر الأعصار والأمصار يدعون اللَّه تعالى بقبول أعمالهم بعد الفراغ منها ، ولو اتّحد القبول والإجزاء لم يحسن هذا الدعاء إلّاقبل الفعل كما لا يخفى ، فهذه وجوه خمسة تدلّ على انفكاك الإجزاء عن القبول . وقد يجاب عن الأوّل بأنّ التقوى على مراتب ثلاث : أوّلها : التنزّه عن الشرك ، وعليه قوله تعالى : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى « 4 » ، قال المفسّرون : هي قول : لا إله إلّااللَّه ، وثانيها : التجنّب عن المعاصي ، وثالثها : التنزّه عمّا يشغل عن الحق‌ّتعالى ، ولعلّ المراد بالمتّقين أصحاب المرتبة الأولى ، وعبادة غير المتّقين بهذا المعنى غير مجزية ، وسقوط القضاء لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله . وعن الثاني بأنّ السؤال قد يكون للواقع ، والغرض منه بسط الكلام مع المحبوب وعرض الافتقار لديه ، كما قالوه في قوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا « 5 » على بعض الوجوه . وعن الثالث بأنّه يعبّر بعدم القبول عن عدم الإجزاء ، ولعلّه لخلل في الفعل .

--> ( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 27 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 127 . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 27 . ( 4 ) . الفتح ( 48 ) : 26 . ( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 286 .